الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
95
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
العرف في إرادة المعاني الشرعية إذ لولا ذلك لأشاروا إليه ولم ينقلوها على إطلاقها مع الكون المنساق منها في زمانهم خلاف ما أراده النبي صلى اللَّه عليه وآله على أن كون المنقول لفظ النبي صلى اللَّه عليه وآله في الغالب غير معلوم بل لا يبعد أن يكون إسنادها إلى النبي صلى اللَّه عليه وآله غالبا من جهة التقية كما في روايات السكوني وأحزابه نظرا إلى كون جميع ما عندهم مأخوذا منه صلى اللَّه عليه وآله وكلما يذكرونه من الأحكام فهو من الرسول صلى اللَّه عليه وآله عن جبرئيل عليه السلام من اللّه تعالى وبالجملة ليس المقصود عدم ترتب فائدة على المسألة وإغناء الفقيه عنها بالمرة إذ لا شك في لزوم معرفتها واستفراغ الوسع في تحصيلها لاحتمال اختلاف الحكم من جهتها وتوقف بعض المسائل عليها بل المدعى أنها ليست بتلك المثابة من الحاجة بحيث يتوقف الأمر عليها غالبا ويكون استنباط الأحكام من جهتها كثيرا بل لا يتوقف الحكم عليها إلا في أقل قليل من المسائل كما لا يخفى بعد ممارسته كتب الاستدلال قوله إن الصلاة اسم للركعات إلى آخره ظاهر قوله اسم يعطي كونها حقيقة في ذلك وحينئذ فذكره المقدمة الثانية المشتملة على دعوى القطع بكونها حقيقة فيها من جهة تبادرها منها ليس بمتجه بل ينبغي جعل ذلك دليلا على المقدمة الأولى والقول بكون تلك المقدمة مسوقة لأجل الاحتجاج على الأولى وإن عطفها عليها بعيد جدا وإن كان ذلك ظاهر كلامه الآتي أن في الإيراد سيما مع دعوى القطع بالمقدمة الأولى ودعوى القطع بالثانية مع زيادة لفظه أيضا إذ لو كان القطع بالأولى حاصلا عن الثانية لم يصح التعبير بذلك فالأظهر أن يحمل قوله اسم على مجرد استعمالها في المعاني المذكورة وكونها مفيدا لها في الجملة دفعا لاحتمال المعزى إلى الباقلاني من إنكاره استعمال تلك الألفاظ في المعاني الشرعية الجديدة حينئذ فيكون المقدمة الثانية في محلها نعم قد يحمل المقدمة الثانية على دعوى القطع بسبق تلك المعاني في إطلاق الشارع وحينئذ يمكن حمل قوله اسم على ظاهره ويراد به ذلك بالنسبة إلى استعمالات المتشرعة إلا أنه حينئذ تكون المقدمة الثالثة أعني خصوص دعواه عدم حصول ذلك إلا بتصرف الشارع ونقله لغوا لثبوت المدعى حينئذ بالمقدمتين المذكورتين إلا أن يقال بأن تلك المقدمة ليست لإثبات مجرد كونها حقيقة بل لخصوصية كونها على سبيل التعيين حيث إن الحقيقة الشرعية هو ذلك عندهم كما يقضي به ظاهر حده المعروف ويومي إليه ظاهر الثمرة المتفرعة على القولين أو يراد بتصرف الشارع ونقله مجرد استعمال الشارع ونقله من المعاني اللغوية إليها ولو على سبيل المجاز ويكون المقصود من بيانه ذلك وإن كان واضحا إظهار كون الشارع هو الأصل في استعمالها في المعاني الجديدة ليتجه نسبتها إذن إلى الشارع وإن كان وصولها إلى حد الحقيقة بضميمة استعمال المتشرعة في زمانه وكلا الوجهين لا يخلو من تعسف فتأمل قوله ثم إن هذا لم يحصل إلى آخره لا يخفى أنه لو جعل المقدمتين لإثبات الحقيقة في لسان المتشرعة كما هو أحد الوجوه المذكورة ثم أريد بذلك كونه بوضع الشارع ليثبت كونها حقيقة شرعية كان ما ذكره مصادرة على المطلوب إذ ليس ذلك إلا عين المدعى فإن الكلام كما مر في أن الألفاظ المذكورة بإزاء المعاني المعروفة هل هو من جعل الشارع وتعيينه أو من الاشتهار في ألسنة المتشرعة وليس في المقدمة المذكورة سوى دعوى كونه من جعل الشارع وتعيينه وهو عين ذلك المدعى قوله إنه لا يلزم من استعمالها في غير معانيها إلى آخره لا يخفى أن هذا الإيراد لا يرتبط بشيء من المقدمات المذكورة إذ ليس في كلام المستدل استناد إلى دلالة مجرد الاستعمال على الحقيقة حتى يورد عليه بمنع ذلك وقد يوجه ذلك بجعله منعا للمقدمة الأخيرة حيث ادعى أن كونها حقيقة إنما كان بتصرف الشارع ونقله فذكر أن القدر المسلم من تصرف الشارع فيها هو استعماله إياها في المعاني المذكورة ولا يلزم من ذلك كونها حقيقة شرعية وأما نقلها إلى المعاني الشرعية على سبيل التعيين أو التعين فغير معلوم فاقتصر في بيان ذلك على ما ذكر لوضوح الحال وهو كما ترى قوله إن أريد بمجازيتها أن الشارع إلى آخره فيه مع عدم كون شيء من الوجهين المذكورين تفسيرا للمجازية بل قد أخذ مع مجازيتها أمر آخر مردد بينهما أن الوجوه غير منحصرة في ذلك لإمكان أن يكون الشارع قد استعملها في غير معانيها ولم تشهر في زمانه إلى أن تبلغ حد الحقيقة هذا إذا أراد بالاشتهار الاشتهار والغلبة في زمانه صلى اللَّه عليه وآله وإن أراد الأعم فهو واضح الفساد كما سيشير إليه المصنف قوله فهو خلاف الظاهر إلى آخره فيه أن تلك الخصوصية مما لا ربط له بالمقام إذ لو فرض بلونها إلى حد الحقيقة في زمان الشارع كانت حقيقة شرعية أيضا وإن كانت الخصوصية المفروضة خلاف الظاهر وإن لم تبلغ إليها في زمانه لم يكن وإن كانت المعاني من مستحدثات الشارع فالمناط بلوغ تلك الألفاظ حد الحقيقة في تلك المعاني في عصره سواء كان أهل اللغة يعرفون تلك المعاني أو لا قوله فلأن دعوى كونها أسماء إلى آخره فيه أنه لم يستدل على كونها حقائق شرعية بمجرد تينك المقدمتين حتى يتوجه المنع المذكور بل ضم إليهما مقدمة أخرى فيكون الثابت منهما الوضع في زمان المتشرعة في غيرها دم الاستدلال فالمناسب منع المقدمة الثالثة نعم ما ذكره يتجه على بعض الوجوه السابقة في بيان الاستدلال وحمل الكلام المستدل عليه بعيد جدا كما أشرنا إليه قوله فلما أوردناه على أصل الحجة إلى آخره قد يقال أن دعوى تبادر تلك المعاني منها لما كانت من قدماء الأصوليين وكانت أعصارهم قرينة من عهد الشارع فلا يبعد علمهم بالحال بالنسبة إلى زمانه صلى اللَّه عليه وآله فمجرد منعه عن التبادر من جهة بعد العهد وخفاء الحال لا يكون رافعا للاستدلال بالنسبة إليهم مع علمهم بها بل هو الظاهر عندنا أيضا كما يظهر من تتبع موارد استعمالاتها في المنقول من كلام الشارع والمتشرعة في ذلك العصر غاية الأمر أن لا يتم ذلك بالنسبة إلى كل الألفاظ فيتم الاحتجاج بعدم القول بالفصل حسبما مر قوله لفهمها المخاطبين بها فيه أن ذلك إنما يلزم لو قلنا بحصول النقل على سبيل التعيين وأما لو قيل به على سبيل التعيين فلا بل ملاحظة الغلبة كافية بالنسبة إليهم وإلى من بعدهم ممن يقف على استعمالاتهم كما هو الحال في سائر المنقولات الحاصلة بالغلبة سيما إذا قلنا باستناد النقل إلى مجموع استعمالات الشارع والمتشرعة وأورد عليه أيضا بأن ما يقضي به الوجه المذكور لإثبات هذه المقدمة هو وجوب تفهيم المراد من تلك الألفاظ وهو كما يحصل ببيان الوضع كذا يحصل ببيان المراد من الألفاظ وقد حصل ذلك بالبيانات النبوية حيث روي في تفسير الألفاظ المستعملة في غير المعاني اللغوية أحاديث كثيرة وأجيب عنه بأن ثمرة الخلاف إنما تظهر في الألفاظ الخالية عن القرينة المتصلة أو المنفصلة كما سبق فلو ثبت نقل الشارع لهذه الألفاظ من معانيها اللغوية كانت تلك المعاني مرادة من الألفاظ